سهيلة عبد الباعث الترجمان
577
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
ظاهره فقط . وقد التزم الجيلي هذا الطريق ونبّه من الإنكار عليه ذلك بل طلب من قارئه إذا تعسّر فهمه لعلومه التسليم والإيمان فقط ولذلك قال : " من أنكر شيئا من علمنا هذا حرم الوصول إليه ما دام منكرا ولا سبيل إلى غير ذلك ، بل ويخشى عليه حرمان الوصول إلى ذلك مطلقا بالإنكار أول وهلة ولا طريق إلا بالإيمان والتسليم " « 1 » وحسبنا أن نذكر بعض الشواهد على هذا الانغلاق في العبارة ما قاله الجيلي : " ( الشيء ) يقتضي الجمع ، ( والأنموذج ) يقتضي العزّة ، ( والرقيم ) يقتضي الذلّة ، وكل من هؤلاء مستقل في عالمه ، سابح في فلكه ، فمتى خلعت على الأنموذج شيئا من صفات الرقيم انخرم قانون الأنموذج عليك ، ومتى كسوت الرقيم شيئا من حلل الأنموذج لم تره فيه لظهوره بما ليس له ، ومتى نسبت الذات إلى أحد منهما ولم تنسبه إلى الآخر . . . ونعني بالرقيم هنا : العبد ، وبالأنموذج قطب العجائب وفلك الغرائب . . . " « 2 » . كذلك فإن كثيرا من المعاني ما لا يفهم إلا لغزا أو رمزا أو إشارة منعا لأي التباس في فهمها لدى العامة كقوله : " اعلم أنه لما نظر اللّه تعالى في القدم إلى الياقوتة الموجودة في العدم كان لهذا البحر نور ذلك الياقوت وبهجته . . . فلما صارت الياقوتة ماء صار البحر ظلمة وضياء ، فلما مرج البحرين يلتقيان جعل اللّه بينهما ماء الحياة برزخا لا يبغيان . . . " « 3 » ويفسر لنا الجيلي قوله هذا مشيرا إلى معنى ماء الحياة وما يرمز به إليه بقوله : " اعلم أن عين الحياة مظهر الحقيقة الذاتية في هذا الوجود « 4 » ، ويزيد على ذلك ما يشير به إلى مدى استخدامه للإشارات والرموز وهدفه من وراء ذلك بقوله : " فافهم هذه الإشارات ، وفك رموز هذه العبارات ، ولا تطلب الأمر إلا من عينك بعد خروجك من إنيتك ، لعلك تفوز بدرجة أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ « 5 » " « 6 » .
--> ( 1 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ص 5 . ( 2 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، ص 11 . ( 3 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، ص 5 . ( 4 ) المصدر السابق ، الجزء الثاني ، ص 78 . ( 5 ) سورة آل عمران ، الآية : 169 م . ( 6 ) المصدر السابق ، الجزء الثاني ، ص 79 .